عبد الوهاب الشعراني
336
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
يشهد صورة ما من صورة وهي عين تلك المرتبة التي له في الدنيا فيعلمها ليحكم على نفسه بها وهنا شاهد صلى اللّه عليه وسلم ، نبوته ولا ندري هل شهد صور جميع أحواله أم لا . قال تعالى : وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ فصلت : 12 ] فما من فلك من الأفلاك التسعة إلا وللإنسان صورة فيه فيحفظها ذلك الفلك إلى وصول وقتها فوجودها كوجود الصورة الواحدة في المرايا الكثيرة المختلفة الأشكال ، من طول وعرض واستقامة وتعويج واستدارة وتربيع وتثليث وصغر وكبر ، فتختلف صور الأشكال باختلاف المجلى والعين واحدة ، فلذلك قلنا : إنه صلى اللّه عليه وسلم ، كان يعرف ذاته بذاته من غير مجلى بإذن اللّه تعالى ، وإذا كان بهذه المثابة لم تؤثر فيه المراتب إذا نالها قال صلى اللّه عليه وسلم وهو في المرتبة العليا : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » . فلم تحكم فيه المرتبة . وقال في وقت آخر وهو في مرتبة الرسالة والخلافة : إنما أنا بشر مثلكم فلم تحجبه المرتبة عن معرفة نشأته وسبب ذلك أنه رأى لطيفته ناظرة إلى مركبها العنصري وهو متبدد فيها ، فشاهد ذاته العنصرية فعلم أنها تحت قوة الأفلاك العلوية ورأى المشاركة بينها وبين سائر الخلق الأناسي والحيواني والنبات والمعدن ، فلم ير لنفسه من حيث نشأته العنصرية فضلا على أحد ممن تولد عنها ، بل رأى نفسه مثلا لهم وهم أمثال له . فقال : أنا بشر مثلكم وكان يتعوذ من الجوع فما افترق عنها إلا بقوله : « يوحى إليّ » فقد عرفت معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » ، وأن هذا القول إنما كان بلسان تلك الصورة التي هو فيها مما هو معدود من صور تلك المراتب . فترجم لنا في هذه الدار عن تلك الصورة . قال الشيخ رحمه اللّه تعالى : ولنا أيضا صورة فوق ما ذكرناه لا تدرك بعقل ولا بالاسترواح من نقول الشرع فسكتنا عنها ، وذلك أن لنا صورة في الكرسي ، وصورة في العرش ، وصورة في الهيولى ، وصورة في الطبيعة ، وصورة في النفس ، وصورة في العقل المعبر عنه باللوح والقلم . وصورة في العماء ، وصورة في العدم ، هذا كله مرئي لأصحاب الكشف وهو الذي يتوجه عليه خطاب اللّه القديم لعباده في مكنون علمه فافهم . ( فإن قلت ) : فهل كان لآدم عليه الصلاة والسلام ، علم عند أخذ الميثاق بما يحتوي عليه ظهره من الصور ؟